عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي

218

دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )

من الخليفة الذي وُضعَ في مكانٍ لايستحقّه ، كما أنّ الجمال والزينة لايُستحسَن في وجه العجوز ، بل يكون هذا العمل مدعاة إلى السخرية والاستهزاء . نحن نعتقد أنّ دعبلًا لم يكن يريد من هذا نفس الإضحاك والترويح عن هموم النّاس ، بل كان هدفه الرئيس كشف مساوئ السلطة العباسية ومفاسدها والسعي وراء انتشار هذه العيوب . ثمّ أخذ يحصي أخطاء المعتصم الفادحة وأكبرها باعتقاد الشاعر تولّيه الأتراك الجيش وتفويض وصيف وأشناس التركيين قيادته ، وقد تسلّط الأتراك بواسطتهما على الخلافة وبسبب تشجيعهما لهم فعَظمت بهم المصيبة . ولم يقف به عند هذا الحدّ فولّى الوزارة نصرانيّاً هو الفضل بن مروان فهو لا يبالي بماذا يُبتَلى الإسلام على يديه ، ثمّ يعلن أنّها حالٌ سوف لن تدوم . أنصت إليه وهو يقول : « 1 » لَقَدْ ضَاعَ مُلْكُ النّاسِ إذْ سَاسَ مُلْكهُم * وَصِيفٌ وَأشْناسٌ وَقَدْ عَظُمَ الخَطْبُ « 2 » وَفَضْلُ بْنُ مَروانٍ سَيَثْلَمُ ثلْمَةً * يَظَلُّ لَها الإسْلامُ لَيسَ لَهُ شِعْبُ « 3 » وَهَمُّك تُركيٌّ عَليه مَهانَةٌ * فأنتَ لَهُ أمٌّ وَأنتَ لَهُ أبُ ونرى أنّ دعبلًا بهذه المواقف ينفّس عن آلام كانت تجيش بصدره وبصدر الأمة ، وهو بهذه الأبيات أراد أن يهزّ دعائم السلطة العباسية و « تعدّ صوره نوعاً من السّلاح يشهره في وجه المجتمع وحكامه ، ويعكس واقعه الحزين الذي يعيش داخله ، ويشير من قريب أو يلمح من بعيد إلى أنّ هناك اختلالًا في هذا المجتمع الذي يحاصره ويضغط عليه ، ويكشف عن المرارة التي تملأ نفسه ممّا حدا بالكثير من الباحثين إلى وسمه بأنّه مولع بهجاء الأمراء والخلفاء

--> ( 1 ) - السابق ، ص 103 . ( 2 ) - وصيف وأشناس : غلامان من الأتراك الذين جلبهم المعتصم ليستعين بهم على العرب والفرس ، وقد صارا فيما بعد من قوّاده المتنفذين . ( 3 ) - الفضل بن مروان النّصراني : كاتب المعتصم ووزيره . ثلم الشىءُ - ثَلَماً : صارت فيه ثُلمة . ثَلِمَ الرجل : بَلُدَ طبعُه . فهو ثَلِمٌ .